محمد محمد أبو موسى

455

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وإذا كانت الجملة أو الجمل المعترضة غير واضحة الصلة بالكلام المسوقة فيه عند النظرة الأولى وقف الزمخشري ليبين قوة صلتها بها وأنها مسوقة للتوكيد والتقرير ، يقول في قوله تعالى : « وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً . إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ، وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ . أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ » « 105 » : « وهذه الآية : « وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ » والآيات التي بعدها إلى قوله : « فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ » محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات اللّه عليه لقومه . وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها . . . فان قلت : فإذا كانت خطابا لقريش فما وجه توسطها بين طرفي قصة إبراهيم والجمل الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه ، ألا تراك لا تقول : مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد اللّه ؟ قلت : ايراد قصة إبراهيم ليس الا إرادة للتنفيس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن تكون مسلاة له ومتفرجا بأن أباه إبراهيم خليل اللّه كان ممنوا بنحو ما منى به من شرك قومه وعبادتهم الأوثان . فاعترض بقوله « وَإِنْ تُكَذِّبُوا » على معنى : انكم يا معشر قريش ان تكذبوا محمدا فقد كذب إبراهيم وكل أمة نبيها لأن قوله : « فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ » لا بد من تناوله لأمة إبراهيم وهو كما ترى اعتراض واقع متصل ، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها وتوابعها لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله وهدم الشرك وتوهين قواعده واصفة قدرة اللّه وسلطانه ووضوح حجته وبرهانه » « 106 » .

--> ( 105 ) العنكبوت : 16 - 20 ( 106 ) الكشاف ج 3 ص 352 ، 353